الثلاثاء 12 مايو 2026 | 12:45 م

د. نورا طارق معروف تكتب :المارد المصرى بجناحيه العربى والإفريقي منذ محمد على باشا حتى السيسى "قراءة تاريخية تحليلية "


 
لا يمكن قراءة المشهد العسكري المعقد والمستجد في منطقة الخليج العربي، والمتمثل في الانتشار المعلن للقوات والطائرات المصرية في الإمارات والسعودية والكويت، كحدث عابر أو مجرد مهمة دفاعية محدودة، بل نحن أمام لحظة تاريخية فارقة تعيد للأذهان فلسفة "المجال الحيوي" التي أرساها مؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين وبمنطق القوة الرادعة لا التوسع العسكري. ففي القرن التاسع عشر، أدرك محمد علي باشا أن أمن القاهرة لا يبدأ من أسوارها، بل من جبال الحجاز وشواطئ اليونان وأعالي النيل في السودان، وحينما أرسل الجيش المصري إلى شبه الجزيرة العربية آنذاك، كانت إنجلترا قد أحكمت قبضتها عبر سلسلة من معاهدات التحالف والتبعية مع الإمارات والمشايخ، واستطاعت السيطرة على قراراتهم لدرجة منعهم لاحقاً من الانضمام لثورة الشريف حسين، فكان خروج الجيش المصري حينها صرخة سيادة في وجه الاستعمار وتصدياً لمخططات إنجلترا والدول الأخرى التي أرادت تمزيق المنطقة ونشر السلام المجتمعي، وهو تماماً ما يفعله القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية الصقر عبد الفتاح السيسي اليوم؛ فهذا الرجل لم يأتِ ليساير التيار، بل جاء ليحطم مخططات "الأمريكان واليهود" التي أُحيكت في توقيت كان العالم يظن فيه أن الخرائط قد رُسمت وأن مصير المنطقة قد حُسم في دهاليز القوى الكبرى، فقلب الطاولة على هندستهم للتاريخ المعاصر، وأثبت أن إرادة الأوطان حين تجد القائد القوي، قادرة على محو خرائطهم ورسم تاريخ جديد بمداد السيادة والكرامة، وسيقف التاريخ طويلاً أمام هذه اللحظة الفارقة.
​وقد التقطت هيئة البث الرسمية الإسرائيلية هذا التحول تحت عنوان "نهاية غموض القاهرة"، مؤكدة في تقرير موسع أن الكشف عن نشر طائرات "الرافال" المصرية في أربع دول خليجية يمثل مرحلة جديدة في الصراع مع طهران وتوطيد تحالف "الرباعية" الذي يضم مصر وباكستان وتركيا والسعودية، والذي يحاول منع أي صدام عسكري قادم والحفاظ على أمن المنطقة. وأشار التقرير العبري إلى أن القوات نُشرت منذ الأسبوع الأول للحرب، لكن مصر فضلت التكتم مراعاةً للحساسيات الإقليمية ورغبة في الحفاظ على دور الوسيط، وتحدث التقرير عن ظهور الرافال في الإمارات خاصة وأنها لم تتسلم بعد ما طلبته من فرنسا، مؤكداً أن القوات تتواجد بشكل دفاعي لا هجومي، وأن إيران لا تعتبر مصر طرفاً متورطاً في أعمال عدائية ضدها، حيث يستمر التواصل رفيع المستوى لمنع تدهور الاستقرار. وأشار المصدر الأمني العبري إلى أن الدعم لم يقتصر على الطيران بل شمل نقل منظومات الدفاع الجوي "سكاي جارد" المطورة، مع تقديرات بتوسع الوجود ليشمل مروحيات الأباتشي أو "كا-52" لاصطياد المسيرات، وحتى منظومات "إس-300 في إم" لاعتراض الصواريخ الباليستية.
​وفي تحول دراماتيكي يعكس حجم الثقل المصري، أعلن السفير الإيراني بالقاهرة مجتبى مسعودي خلال حواره مع BBC أن طهران لا تجد مانعاً أو اعتراضاً على أي تواجد مصري في أي دولة خليجية، واصفاً مصر بأنها قوة إقليمية كبيرة وليها كامل الحق في اتخاذ القرارات التي تناسب مصلحة شعبها، بل وكشف أن النقاشات داخل طهران انتهت إلى أن المنطقة محتاجة لقوة إقليمية رادعة من داخل الشرق الأوسط نفسه بدل "الأمن المستورد"، وأن مصر من أهم الدول المقصودة بهذا الدور. وكان لافتاً تأكيده أن ما يهم إيران هو ألا تنخرط مصر في أي عمل يساعد "الكيان الصهيوني" في حربه ضد إيران، مما فتح باب تساؤلات كبيراً حول اعتراف الدول المتصارعة بوزن القاهرة في أي معادلة تخص أمن الخليج.
​هذا المشهد لم يغب عن مراكز الدراسات الدولية؛ حيث أكدت مجلة "فورين بوليسي" أن دول الخليج بدأت تبحث عن "الخيار المصري" كبديل موثوق للمظلة الأمريكية المترنحة، بينما توقع معهد "ستراتفور" أن يتحول هذا الوجود إلى منظومة ردع جوي متكاملة تدمج الخبرة القتالية المصرية بالتكنولوجيا الخليجية، فيما وصف المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في لندن التحرك بأنه "تأميم للأمن العربي" يغلق الثغرات التي خلفها انسحاب بطاريات الباتريوت الأمريكية، وتوقعت وكالة "رويترز" أن مصر بامتلاكها قنوات اتصال مع طهران ووجود عسكري قوي تصبح هي "بيضة القبان" التي تمنع انفجار الحرب.
ومن المؤكد​ان قراءة هذا المشهد المؤمل واتخاذ هذه الخطوات المصيرية تطلب كثير من القراءات والاجراءات الاحترازية حتى لا يتكرر ما حدث فى حرب ا اليمن  " ، التي كبّلت صانع القرار لعقود، فاليوم يتحرك الجيش المصري مدركاً قاعدة الوضع الطبيعى والمصيرى للجيش المصرى وان "الفراغ لا يبقى فراغاً أبداً"، فبعد انسحاب مصر للداخل بسبب كامب ديفيد والوضع الاقتصادي وتراجع القوة الناعمة، ظهرت قوى بديلة، لكن العودة الحالية هي استجابة لضرورة جيوسياسية نادى بها الملك فيصل بن عبد العزيز يوماً بحتمية وجود قوات مصرية في السعودية لحماية أطهر بقعة على الأرض مكة المكرمة، مؤمناً بأن قوة مصر هي الظهر الحقيقي للمنطقة، تماماً كما حاول السادات حماية الأمن القومي في ليبيا، وكما حاول "مجلس التعاون العربي" عام 1989 خلق كتلة صلبة بين مصر والعراق واليمن والأردن حطمتها القوى الدولية عبر فخ غزو الكويت لضمان ألا تقوم قائمة لكتلة عسكرية عربية مستقلة. واليوم يعود الجيش المصري للخليج بأهداف تشمل الاطلاع على الجديد عسكرياً والبقاء كقوة تأمين دائمة، ليُسجل التاريخ أن مصر حين تجد القائد القوي عبد الفتاح السيسي، تعود لتمارس دورها الطبيعي كأخت كبرى ودولة عظمى، محطمة مخططات الأمريكان واليهود، وراسمة بمداد سيادتها تاريخاً جديداً للمنطقة بأسرها. تحيا مصر الدنيا والأخت الكبرى للدول العربية.

استطلاع راى

هل تعتقد أن البيانات والتحذيرات الصادرة عن المنظمات الصحيـــــة العالمية كافية للاستعداد لمواجهة الفيروسات النادرة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6994 جنيه
سعر الدولار 53.07 جنيه مصري
سعر الريال 14.14 جنيه مصري
Slider Image